ابن أبي الحديد

32

شرح نهج البلاغة

من الآفات بمعاداة أعدائك ، وتوفني مع الأبرار ، ولا تحشرني في زمرة الأشقياء ، اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى ولا تقلل لي فأشقى ، فان ما قل وكفى خير مما كثر وإلهي . * * * وفد على عمر قوم من أهل العراق منهم جرير بن عبد الله ، فأتاهم بجفنة قد صبغت بخل وزيت وقال : خذوا فأخذوا أخذا ضعيفا فقال : ما بالكم تقرمون ( 1 ) قرم الشاة الكسيرة ! أظنكم تريدون حلوا وحامضا ، وحارا وباردا ، ثم قذفا في البطون ، لو شئت ان أدهمق ( 2 ) لكم لفعلت ، ولكنا نستبقي من دنيانا ما نجده في آخرتنا ، ولو شئنا ان نأمر بصغار الضان فتسمط ( 3 ) ولبات الخبز فيخبز ونأمر بالزبيب فينبذ لنا ( 4 ) في الأسعان ( 5 ) حتى إذا صار مثل عين اليعقوب ( 6 ) أكلنا هذا وشربنا هذا لفعلت ! والله انى ما أعجز عن كراكر ( 7 ) وأسنمه وصلائق ( 8 ) ، وصناب لكن الله تعالى قال لقوم عيرهم أمرا فعلوه ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) ( 10 ) . إني نظرت في هذا الامر

--> ( 1 ) القوم : الاكل . ( 2 ) في اللسان : ( دهمق الطحين : دققه ولينه ، وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو شئت أن يدهمق لي لفعلت ، ولكن الله تعالى عاب قوما فقال : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) ، معناه : لو شئت أن يلين لي الطعام ويجود ) . ( 3 ) يقال : سمط الجدي والحمل يسمطه - أي نتف عنه الصوف ونطفة من الشعر . ( 4 ) النبذ في الأصل : طرحت الشئ من يدك أمامك أو وراءك ، قالوا : وإنما سمى النبيذ نبيذا ، لان الذي يتخذه يأخذ تمرا أو زبيبا فينبذه ، أي يطرحه في وعاء أو سقاء عليه الماء ويتركه حتى يفور . ( 5 ) الأسعان : جمع سعن ، وهو قربة أو إداوة يقطع أسفلها ويشد عنقها وتعلق إلى خشبة أو جذع نخلة ثم ينبذ فيها ، ثم يبرد ، وهو شبيه بدلو السقائين . قال في اللسان : ومنه حديث عمر : أمرت بصاع من زبيب فجعل في سعن . ( 6 ) اليعقوب : ذكر الحجل . ( 7 ) الكركرة : الصدر من ذي الخف . ( 8 ) الصلائق : ما عمل بالنار طبخا وشيا . ( 9 ) الصناب : صباغ يتخذ من الخردل والزبيب . ( 10 ) سورة الأحقاف 20